النويري
14
نهاية الأرب في فنون الأدب
الملائكة من نثار الجنّة ، وأوحى اللَّه إلى آدم ، أن اذكر نعمتي عليك ، فإنّى خلقتك ببديع فطرتى ، وسويتك بشرا على مشيئتى ، ونفخت فيك من روحي ، وأسجدت لك ملائكتي ، وحملتك على أكتافهم ، وجعلتك خطيبهم ، وأطلقت على لسانك جميع اللَّغات ، وجعلت ذلك كلَّه فخرا وشرفا لك ، وهذا إبليس قد أبلسته « 1 » ولعنته حين أبى أن يسجد لك ، وقد ختمت كرامتي لك بأمتى حوّاء ، وقد بنيت لكما دار الحيوان « 2 » من قبل أن أخلقكما بألفي عام ، على أن تدخلاها بعهدي وأمانتى . ذكر عرض الأمانة على آدم عليه السلام قال اللَّه تعالى : * ( ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ والأَرْضِ والْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وأَشْفَقْنَ مِنْها وحَمَلَهَا الإِنْسانُ إِنَّه كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ) ) * . قال : وهى أن يكافأوا على الإحسان ، ويعذّبوا على الإساءة ؛ فأبوا ؛ فعرضت على آدم ، فقيل له : إن أطعت كافأتك بالإحسان ، وخلَّدتك في الجنان ؛ وإن تركت عهدي أخرجتك من دارى ، وعذّبتك بنارى ، فقبل آدم الأمانة ، فعجب الملائكة من ذلك ؛ ثم مثّل له ولحوّاء إبليس ، وقيل له : * ( ( هذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى ) ) * . ثم ناداهما الرب : إنّ من عهدي إليكما وأمانتى أن تدخلا الجنة * ( ( وكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هذِه الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ) ) * . فقبلا هذه العهود كلَّها . ثم أمر اللَّه تعالى بإدخالهما الجنّة ، فحمل آدم على الفرس الميمون ، وحوّاء وراءه على الناقة ، والملائكة عن اليمين والشمال وأمامهما وخلفهما حتى بلغوا باب الجنّة ودخلا واستقرّ بجنّة عدن في وسط الجنّة بعد أن طافا بالجنان ، فقدّم إليهما من
--> « 1 » أبلسه اللَّه : أيأسه من رحمته ؛ يستعمل متعديا كما هنا ولازما . « 2 » دار الحيوان ، أي دار الحياة الدائمة .